صدام الفدرالية والمركزية: “قسد” تراوغ ودمشق تحشد أوراقها للحسم

خاص – نبض الشام
في وقت تشهد فيه الساحة السورية تحولات سياسية معقدة، تسير المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في طريق شائك، تصطدم فيه إرادة الحكومة المركزية بوحدة الدولة، مع إصرار “قسد” على مشروع الفدرلة واللامركزية. وعلى الرغم من توقيع اتفاق تاريخي في مارس الماضي، فإن الخلافات حول الهيكلية والسلطة والموارد الاقتصادية لا تزال تؤجج حالة من التوتر، وسط تلميحات بالخيار العسكري وضغوط أمريكية وفرنسية متفاوتة.
مفاوضات متعثرة رغم الاتفاق التاريخي
تعود بدايات المسار التفاوضي الحالي إلى الاتفاق الموقع في 10 مارس الماضي بين الرئيس السوري ،أحمد الشرع، وقائد “قسد”، مظلوم عبدي. الاتفاق نصّ على دمج مؤسسات “قسد” العسكرية والمدنية بالدولة، بما يشمل المعابر وحقول النفط، إلى جانب مطالب مجتمعية تخص الأكراد. ورغم هذه الخطوة، بقيت “قسد” متمسكة برؤيتها للامركزية، بينما شددت دمشق على وحدة الدولة، الجيش، والحكومة.
مطلب قديم متجدد
منذ نشأتها أواخر 2015، عبّرت “قسد” عن تمسكها بمبدأ اللامركزية. ورغم انفتاحها المشروط على الانضمام إلى الجيش السوري، فهي تطالب بالحفاظ على هيكليتها الحالية تحت مسمّاها القائم، وتدخل كتلة موحدة. ومع تغيّر الوضع الميداني وتراجع الدعم الأمريكي، تصرّ “قسد” على مطالبها، مدعيةً احترام وحدة الأراضي السورية في مواجهة اتهامات بالانفصال.
ما وراء المماطلة
يرى الباحث سامر الأحمد أن “قسد” ترفع سقف التفاوض لتحصيل مكاسب إضافية، تشمل مناصب وامتيازات اقتصادية. ويؤكد أن المماطلة تكتيك يهدف لفرض السلطة وتعزيز النفوذ في شرق سوريا، إضافة إلى كسب الوقت والاستعداد لأي مواجهة مستقبلية. كما أشار إلى سوابق تفاوضية مماثلة مع “المجلس الوطني الكردي”، والتي فشلت بسبب رفض “قسد” تقاسم النفوذ.
جولة إيجابية… بلا نتائج رسمية
عُقدت آخر جولة مفاوضات في 10 يوليو الجاري، وسط تعتيم رسمي من الحكومة السورية، بينما وصفتها وكالة “هاوار” بـ”إيجابية”. رغم ذلك، لم يصدر أي تأكيد رسمي من دمشق أو من الجهات الراعية، باستثناء تصريحات أمريكية اتهمت “قسد” بالتباطؤ.
المبعوث الأمريكي توماس باراك صرّح بأن “دمشق متحمسة، بينما تماطل قسد”، داعياً الأخيرة للإسراع والانخراط في المسار الوحيد الممكن، ألا وهو العودة إلى دمشق.
خيارات دمشق بين الحسم السياسي والعسكري
في ظل استمرار المماطلة، تحافظ دمشق على موقفها الثابت برفض الفدرلة، مع التأكيد على استعدادها لضم عناصر “قسد” ضمن الأطر الوطنية. ويرى الدكتور سمير العبد الله أن تطبيق الاتفاق يعزز وحدة سوريا، ويمنح الحكومة السيطرة على الموارد، ويخفف التهديدات القادمة من مناطق “قسد”.
وقد ألمحت دمشق إلى احتمال اللجوء للخيار العسكري. ففي مؤتمر صحفي، قال محافظ دير الزور غسان السيد أحمد إن ثلاث فرق عسكرية مستعدة لأي تحرك ضد “قسد”. وهو ما يراه العبد الله خياراً مطروحاً في حال استمرار التعطيل، محذراً من أن التراخي سيُغري أطرافاً أخرى بتقديم مطالب مماثلة.
الموقف الأمريكي: ضغط ناعم لا يخلو من تناقض
رغم إعلان واشنطن دعمها لمسار الوحدة، فقد خصصت وزارة الدفاع الأمريكية 130 مليون دولار من ميزانية 2026 لدعم “قسد” و”جيش سوريا الحرة لمحاربة تنظيم “الدولة”. ورغم ذلك، أكد براك في تصريحات لقناة “CNN” التركية أن أمريكا لا تدين لـ”قسد” بحكومة مستقلة داخل دولة واحدة.
الباحث سامر الأحمد اعتبر أن الضغط الأمريكي يشكّل تطوراً نوعياً، وقد يجبر “قسد” على الاستجابة. ومع ذلك، يرى العبد الله أن الموقف الأمريكي لا يزال متردداً، إذ تحاول واشنطن الاحتفاظ بـ”قسد” كورقة ضغط، في ظل انقسام داخل الإدارة الأمريكية بشأن التعاطي مع دمشق.
صدام الخيارات ومصير الاتفاق
في ظل احتدام التباين بين مشروع الفدرلة الذي تطرحه “قسد” وتمسّك دمشق بوحدة سوريا، يبقى مصير الاتفاق معلقاً على خيوط التفاوض والدعم الدولي. وبين مماطلة “قسد” وضغوط دمشق وخياراتها المفتوحة، يظهر أن الاستقرار في الشرق السوري مرهون بتنازلات واقعية، أو حسم عسكري قد يُشعل المنطقة مجدداً، إذا لم تُترجم الجولات “الإيجابية” إلى نتائج ملموسة على الأرض.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




